اسماعيل بن محمد القونوي

58

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بيانه وما فيه من التكلف فيكون المسند إليه على هذا التمثيل إسنادا حقيقيا ختم اللّه تعالى تلك القلوب البهائم المحققة أو المقدرة « 1 » ولا قبح فيه أصلا إذ لا تكليف لها لا ختم قلوب الكفار إذ الإسناد داخل في جانب المشبه به فلا مساغ لاعتباره في جانب المشبه فلا يكون هذا النص خلاف معتقدهم وفي قوله ( التي خلقها اللّه ) تنبيه على أن ختم مجاز عن ظاهر المعنى غير الوجه الأول وهو أن يكون القصد من لفظ الختم ثبات الصفة وأنها في فرط تمكنها ونهاية رسوخها كانت كالشئ الخلقي وتحقيقه أن كون تلك الصفة متمكنة راسخة في القلب فيما هو بتخليق اللّه تعالى يستلزم كونها مخلوقة للّه صادرة عنه فذكر اللازم هنا لينتقل منه إلى الملزوم الذي هو المقصود وهو إثبات الصفة ورسوخها ألا يرى أنهم يقولون فلان مجبول على كذا ولا يريدون به تحقيق خلقه عليه بل يريدون ثباته فيه ورسوخه ولما امتنعت إرادة حقيقة الختم في إسناده إلى اللّه تعالى على مذهبه عده مجازا متفرعا عن الكناية فإنه قد ذكر في قوله تعالى : وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ [ آل عمران : 77 ] فقال أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرد المعنى الإحسان مجازا فهو من باب ايفعت لذاته في أنه كناية عن بلوغه وإن لم يكن له لذات فعلم مما ذكره هناك أنه إذا أمكن المعنى أصلي كان كناية وإذا لم يكن كان مجازا مبنيا على الكناية فح يجوز اطلاق الكناية عليه باعتبار أنه في الأصل كان كناية ثم صار مجازا في موضع امتنعت إرادة المعنى الحقيقي والكناية والمجاز متغايران في جواز إرادة حقيقة المعنى فيها وعدم جواز إرادتها فيه ومن ههنا جعل الزمخشري بسط اليد وغلها مجازين في الجود والبخل في سورة المائدة ومن الكنايات في سورة طه كالاستواء على العرش فلا منافاة بين قوله فليكن هذا الأصل على ذكر منك فإن كثيرا منهم ظنوا أن الزمخشري في أحد قوليه على بطلان قال الشريف الجرجاني رحمه اللّه وقد سبق إلى بعض الأوهام من قوله بأنها كالمختوم عليها وقوله كالمستوثق منها بالختم أن المشبه به في الاستعارة المذكورة هو الختم المبني للمفعول لا المبني للفاعل ولذلك قيل المشبه عدم نفوذ الحق في القلوب والاسماع لا إحداث الهيئة المانعة فيها وفساده ظاهر لأنه إذا استعير المصدر المبني للمفعول اشتق منه فعل مبني له كما يشتق من المصدر المبني للفاعل فعل بني له فكان ينبغي إن يقال ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وأيضا كون الشيء مختوما عليه مستلزم لعدم النفوذ فيه استلزاما ظاهرا فيكون اطلاقه عليه من باب المجاز المرسل وجعله من قبيل الاستعارة تعسف أقول قوله هذا رد على مولانا سعد الدين التفتازاني وهو الذي قرر وجه استارا الختم على هذا وهذا الرد ليس بمستقيم لأنه مبني على أن يريد الزمخشري بالختم إحداث الهيئة وهو لا يقول به لأن ذلك قبيح عنده لا يجوز إسناده إلى اللّه تعالى فتفسيره بأحداث الهيئة ينافي مذهبه فالحق ما حققه مولانا السعد التفتازاني فإن ما قاله رحمه اللّه تعالى توجيه لكلام الزمخشري على وفق مذهبه فالوجه أن يجري التشبيه بين مختومية القلوب والاسماع وبين عدم النفوذ لا بين الختم الحقيقي وبين إحداث الهيئة فإن ضمن ختم اللّه على قلوبهم وعلى

--> ( 1 ) حتى وشبهت حالهم بحال مخلوق لا نعرفه قد ختم اللّه على قلبه من غير واسطة بطابع حقيقي فالاستعارة تمثيلية لا تجوز في شيء من مفرداتها إلا أن المشبه به أمر متخيل منه والمشبه به معلوم بأن اللّه تعالى ختم على قلوب مقدر ختمها وأن الختم إذا كان من اللّه تعالى لا يقدر أحد إزالتها فبذلك يكون وجه الشبه أيضا معلوما كما فصل في قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ الآية .